أبي بكر جابر الجزائري

94

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً : أي وكان ذاك الإدخال والتكفير للسيئات فوزا عظيما . وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ : والمشركين والمشركات أي يعذبهم بالهم والحزن لما يرون من نصرة الإسلام وعزة أهله . الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ : أي أن اللّه لا ينصر محمدا وأصحابه . عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ : أي بالذل والعذاب والهوان . وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً : أي كان وما زال تعالى غالبا لا يغلب حكيما في الانتقام من أعدائه . معنى الآيات : قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الآيات هذه فاتحة سورة الفتح التي قال فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ لقد أنزلت عليّ سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً « 1 » مُبِيناً ] وذلك بعد صلح الحديبية سنة ست من الهجرة وفي منصرفه منه وهو في طريقه عائد مع أصحابه إلى المدينة النبويّة . وقد خالط أصحابه حزن وكآبة حيث صدوا عن المسجد الحرام فعادوا ولم يؤدوا مناسك العمرة التي خرجوا لها ، وتمت أحداث جسام تحمل فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما لا يقدر عليه من أولى العزم غيره فجزاه اللّه وأصحابه وكافأهم على صبرهم وجهادهم بما تضمنته هذه الآيات إلى قوله وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً فقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يا رسولنا فَتْحاً مُبِيناً أي قضينا لك بفتح مكة وخيبر وغيرهما ثمرة من ثمرات جهادك وصبرك وهو أمر واقع لا محالة وهذا الصلح بداية الفتح فاحمد ربك واشكره لِيَغْفِرَ لَكَ بذلك وبجهادك وصبرك ما تَقَدَّمَ مِنْ « 2 » ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بنصرك على أعدائك وعلى كل من ناوأك ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ويرشدك إلى طريق لا اعوجاج فيه يفضي بك وبكل من يسلكه إلى الفوز في الدنيا والآخرة وهو الإسلام دين اللّه الذي لا يقبل دينا سواه . وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً أي وينصرك ربك على أعدائك وخصوم دعوتك نصرا عزيزا أي ذا عزّ لا ذل معه هذه أربع عطايا

--> ( 1 ) الماضي هنا بمعنى المستقبل إذ فتح مكة المومى إليه كان سنة ثمان وأطلق الماضي مع إرادة المضارع لتحقق الوقوع وتأكده نحو : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ واللام في لَكَ : لام الأجل أي : فتحنا لأجلك . ( 2 ) اضطرب المفسرون في تعليق لام لِيَغْفِرَ لَكَ فالسيوطي علّقه بكلمة ( بجهادك ) زادها بعد جملة ليغفر لك أي : بجهادك يوم فتحك مكة ، وفي التفسير قدرنا جملتي : فاحمده على الفتح واشكره عليه ليغفر لك . وأما الذنب مع إجماعهم أنه لا ذنب كبير لعصمته صلّى اللّه عليه وسلّم فإن أحسن ما قيل فيه هو ما يلي : أما الذنب المتقدم فهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في بدر : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا فأوحى إليه : من أين تعلم هذا ؟ فكان هذا الذنب المتقدم ، والثاني : أنه لما انهزم المسلمون : يوم حنين قال لعمّه ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به المشركين فانهزموا فقال لأصحابه : ( لولا أني رميتهم ما انهزموا ) فهذا الذنب المتأخر . والحقيقة أن هذا لو عدّ ذنبا لكان من باب : حسنات الأبرار سيئات المقربين .